icon Back

15 March 2026

تصديق الناجيات بين قرينة البراءة والعدالة الجندرية: قراءة قانونية-نسوية في السياق الاجتماعي

أثار شعار “تصديق الناجيات” جدلاً واسعاً في السنوات الأخيرة، خصوصاً في البيئات القانونية التي ترى فيه تعارضاً محتملاً مع مبدأ قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة. ويستند هذا النقد إلى منطلق وجيه ظاهرياً: العدالة الجنائية لا تقوم على العاطفة، بل على الأدلة، ولا يجوز إدانة شخص بمجرد اتهام.


غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الإجرائية، يغفل سؤالاً مركزياً:


هل ظهر مفهوم “تصديق الناجيات” ابتداءً في ساحة القضاء، أم في سياق اجتماعي يتسم ببنية تاريخية من عدم المساواة والتشكيك الممنهج في النساء؟


هذه المقالة تحاول إعادة تأطير النقاش، لا بنفي أهمية الإجراءات القانونية، بل بإبراز السياق الاجتماعي والمعرفي الذي نشأ فيه المفهوم، مع تحليل العلاقة بين الدعم الاجتماعي، والعدالة الإجرائية، ومفهوم العدالة الجندرية.



 قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة


يُعد مبدأ قرينة البراءة حجر الزاوية في العدالة الجنائية الحديثة، وقد نصت عليه المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تؤكد على مبدأ البراءة كمبدأ أصيل ما لم تتم إدانة المتهم.


ويعني ذلك أن عبء الإثبات يقع على جهة الاتهام، وأن المتهم لا يُدان إلا بناءً على أدلة كافية تُعرض أمام محكمة مختصة وفق إجراءات عادلة.


من هذا المنظور، فإن أي دعوة إلى إدانة أشخاص دون دليل تُعد انتهاكاً خطيراً لمبدأ سيادة القانون.


لكن الإشكال ينشأ حين يُفهم “تصديق الناجيات” باعتباره دعوة لإلغاء هذا المبدأ، بينما لم يكن في أصله خطاباً موجهاً للقضاء، بل للمجتمع.



 السياق الاجتماعي لجرائم العنف الجنسي


تشير الأدبيات القانونية النسوية خصوصاً أعمال كاثرين ميكانون  Catharine A. MacKinnon  إلى أن القانون لا يعمل في فراغ اجتماعي، بل يتأثر بالبنى السلطوية القائمة.وفي كتابها بيّنت أن القانون الجنائي تاريخياً تعامل مع العنف الجنسي من منظور يُشكك في مصداقية النساء، ويفترض مقاومة “قصوى” كشرط للاعتراف بالجريمة.


كذلك تُظهر الدراسات المقارنة أن جرائم التحرش والاعتداء الجنسي تتميز بخصوصية إثباتية:




  • غالباً ما تقع في أماكن مغلقة.

  • نادراً ما يوجد شهود.

  • تعتمد بشكل كبير على الشهادة الشخصية.


هذا التعقيد لا يُلغي معيار الإثبات، لكنه يفسر لماذا تواجه الناجيات تحديات إضافية في الوصول إلى العدالة.


إلى جانب التعقيد القانوني، هناك ما تسميه الأدبيات النسوية بـ “secondary victimization” أو الإيذاء الثانوي، وهو ما يحدث حين تتعرض الضحية للوم أو التشكيك أثناء الإبلاغ أو بعده. وقد وثّقت تقارير الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان هذا النمط بوصفه عائقاً حقيقياً أمام التبليغ.


من هنا ظهر شعار " تصديق الناجيات/ Believe Survivors” كاستجابة ثقافية لبيئة اجتماعية تُكذّب النساء تلقائياً، لا كدعوة قانونية لإلغاء الدليل.



 الفرق بين الدعم الاجتماعي والإدانة القانونية


الخلط الأساسي في النقاش المعاصر يتمثل في عدم التمييز بين مستويين مختلفين:




  • المستوى الأخلاقي-الاجتماعي: الذي يعي بالاستماع، الامتناع عن لوم الضحية، توفير الدعم النفسي، تشجيع اللجوء للقانون.

  • المستوى القضائي-الإجرائي:التحقيق، جمع الأدلة، تطبيق معايير الإثبات، إصدار الحكم.


وهنا “تصديق الناجيات” في معناه الدقيق يتعلق بالمستوى الأول، لا الثاني. فالدعم الاجتماعي لا يُنشئ حكماً قضائياً، كما أن الامتناع عن التشكيك الفوري لا يعني إدانة مسبقة.


العدالة الإجرائية لا تتناقض مع التعاطف، بل تحتاج إلى بيئة اجتماعية تسمح للضحايا بالوصول إليها دون خوف من التشهير أو الوصم.



 هل يمثل الشعار احتقاراً مبطناً للمرأة؟


يذهب بعض النقاد إلى أن “تصديق الناجيات” يفترض عجز النساء عن تقديم الأدلة، وبالتالي يرسخ صورة ضعف.


غير أن هذا التحليل يتجاهل الفرق بين القدرة الفردية والبنية الاجتماعية.


النسوية القانونية لا تقول إن النساء عاجزات، بل تقول إن هناك منظومة اجتماعية قد تضع عقبات إضافية أمامهن.


وهذا ما تؤكده أيضاً أعمال Kimberlé Crenshaw في إطار نظرية التقاطع (Intersectionality)، حيث أوضحت أن التمييز قد يكون مركباً، ويتداخل مع النوع الاجتماعي والطبقة والعرق.


المطالبة بعدم التشكيك التلقائي ليست افتراضاً بالعجز، بل رفضاً لافتراض الكذب المسبق الذي يلاحق الناجية.


ولا يمكن إنكار أن بعض الحالات شهدت استغلالاً للمفهوم في حملات تشهير خارج إطار القانون.


والتشهير، إذا ثبت، جريمة تمس الكرامة والسمعة، وهي محمية قانوناً في مختلف التشريعات.


غير أن معالجة الانحراف لا تكون بنسف المبدأ برمته، بل بإعادة ضبطه ضمن حدوده الصحيحة:




  • لا إدانة بلا دليل.

  • لا تشهير بلا مسؤولية.

  • لا وصم للناجية بسبب الإفصاح.


المقاربة المتوازنة تقتضي حماية الجميع:


حماية الضحايا من الإيذاء الثانوي،


وحماية المتهمين من الإدانة غير القانونية.


وفي الختام إن النقاش حول “تصديق الناجيات” لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية عاطفة مقابل قانون.


المسألة أعمق من ذلك، وتتعلق بعلاقة القانون بالبنية الاجتماعية، وبقدرة النظام القانوني على العمل في سياق تحكمه تفاوتات جندرية تاريخية.


النسوية القانونية لا تسعى إلى إلغاء قرينة البراءة، بل إلى إزالة العوائق الاجتماعية التي تمنع الضحايا / الناجيات من الوصول إلى العدالة أصلاً.


تصديق الناجيات ليس حكماً قضائياً،


بل موقفاً أخلاقياً ضد الوصم،


وخطوة أولى نحو عدالة أكثر شمولاً وإنصافاً.